العنف في المدارس: الأساتذة ضحايا طلّابهم!


تتكرر اعتداءات الطلاب على المدرّسين في المدارس السورية، لأسباب تتعلق بسوء الانضباط المدرسي، إضافة إلى اختلال العملية التربوية، بدءاً من المنزل والمدرسة والوزارة، وصولاً إلى مظاهر العنف المتعلقة بالحرب، التي اختبرها الأطفال السوريون لسنواتتتوالى حوادث العنف والاعتداءات المتكررة على المدرّسين في المدارس السورية من قِبَل طلّابهم، في مشهد يعكس حالة مجتمع ما بعد الحرب، والتغيّرات الصادمة التي اجتاحت المؤسسات التعليمية والتربوية. حالة من انعدام الأمان يواجهها المدرّسون السوريون اليوم، بعد اعتداء عدد من الطلاب أخيراً على مدرّس في إحدى مدارس بانياس. انتهى الأمر بالمدرّس إلى العناية المشددة بسبب شدة الإصابة، فيما اعترف اثنان من الطلاب بالجريمة واقتيدا إلى السجن. ثمة الكثير من الحالات المشابهة التي أودت بطلاب عدّة إلى التعبير عن غضبهم من القيّمين على العملية التعليمية، من خلال لجوئهم إلى العنف اللفظي أو الجسدي. فَمِن حادثة ضرب لأحد الموجّهين من قِبَل طالب لديه، إلى اعتداء طالبة على أستاذها الذي لجأ إلى الاعتذار منها بدلاً من المطالبة بمحاسبتها، يمكن الوقوف على حالة من الانفلات الأمني في المدارس، بما لا يكفل حماية المدرّس من طباع بعض الطلاب «المدعومين» و«الانفعلايين». 

ولدى البحث عمّن يتحمّل مسؤولية ذلك، لا يمكن إلا التوجه إلى معظم الأسر التي تعاني خللاً في تربية أبنائها، وتعجز عن عزلهم عن مظاهر العنف والرصاص المحيطة بهم، فيما لا يمكن إغفال دور المدرّسين أنفسهم باعتبارهم القيّمين على العملية التعليمية والتربوية، بالاشتراك مع إدارة المدارس. هنا، يجب التوقف عند وصول حدّة العنف إلى الضرب المتبادل بين المدرّسين أيضاً، على غرار ما شهدته إحدى مدارس اللاذقية من شجار بالأيدي بين مديرة ومدرّسة، لتتكرر الحادثة بين مدرّستين في مدرسة أخرى. حوادث تزيد «الطين بلّة» بالنسبة إلى الطلاب المعنيين بتصنيف المعلّم «نِعم القدوة»، والذين لا يتحمّلون مسؤولية الأزمة الانفعالية والأخلاقية الناجمة عن تقليد «المثل الرديئة».

مدارس الياسمين: «اللحم إلكن» 
معظم الشباب السوريين سمعوا من الآباء والأجداد عن مدارس الماضي في دمشق القديمة، حيث كانت عبارة عن بيوت عربية تتوسّطها فسحة سماوية، يلعب الطلاب فيها بين شجيرات الياسمين وشتول الفلّ الشامي والحبق والورد البلدي. هذه المدارس استُبدلت بها قبل عقود مبانٍ بائسة قاتمة تسدّ منافذَها قضبان حديدية، غير كافية لضبط الأجيال المتعاقبة والمتفلّتة من النظام التلقيني القاسي، الذي لطالما اعتمد على سلطة المدرّس أو الإدارة في مدارس الياسمين السابقة. ما عاد طالب اليوم يتقبّل الانتقاد أو القسوة داخل مدارس القضبان الحديدية، بل قد يبادر بالعنف تجاه من يلقّنه علوماً جافة من غير أساليب جذب أو تطبيقات حديثة، وفق مناهج لا روح فيها. يحزن معلّمو اليوم على سلطة زمان: 
«قم للمعلّم وفِّهِ التبجيلا … كاد المعلّم أن يكون رسولا»، فجيل اليوم لا يحب الشعر العمودي، ويصعب تقييده بمُثل الماضي وأدبه وشعاراته. ولم يبقَ للمعلّم إلا الحنين إلى أيام اجتماعات أولياء الأمور في المدارس، حيث كان الأخيرون يرفعون شعار «اللحم إلكن والعضم إلنا»، كتشريع قاسٍ لضرب التلاميذ في سبيل نيلهم العلم والمعرفة المزعومَين. أما طالب اليوم، فيمكنه الإساءة إلى مدرّسيه، بل بات الأفضل للمدرّس أن يجلس «بأدبه» بدلاً من الطالب.

بدون تعليقات

اترك تعليق