قصص من حصار الفوعة وكفريا، رسائل الحب والحرب..

0 100

في خندقه الصغير يمضي حسين نوبة الحرس متلحفاً بالكثير من الثياب فالجو هنا بارد جدا …ودرجة الحرارة تقارب الصفر والسماء متأهبة لتهب الأرض ثوبها الأبيض …
يحاول عبثاً تدفئة يديه ووجه ولكن البرد والصقيع فتك بالحجر قبل البشر …
شعر بالجوع … فبحث دون جدوى عن شيء يأكله …فلم يجد سوى كسرة خبز يابسة عله يسكت صوت معدته …

ينتظر وينتظر …..
….
وما زال ينتظر …
ماذا ينتظر يا ترى ؟
أشعل سيجارة تبغ وأطلق لأفكاره ومخيلته العنان
عاد بالذاكرة سنوات مضت …
تذكر جامعته. ..محاضراته…زملائه…
تذكر لحظة الرجوع الى قريته قبل الحصار بأيام وكيف اتخذ قرارا مع حبيبته بالعودة الى الفوعة لمعايدة أمهاتهم بعيد الأم

وبعدها أطبق الحصار على الفوعة من قبل المجموعات الارهابية …وبقي هو وحبيبته محاصرين …
تمتم : ايه يا زمن بتهووووون

قطع تسلسل أفكاره اهتزازات صادرة عن هاتفه المحمول …
سرت في جسده رعشة لا توصف…
قرأ بصوت خافت :
حسين انتبه لنفسك يا روح الفۏاد …فأنا بعد عينيك لا وطن لي …

لمعت عيناه عشقاً وحباً وشعر بالدفء يسري في أوصاله…
وتذكر نظرة عيناها الجميلتان 
عيناها كأنهما مصباحان يرسلان أضواء ذات معان موحية حقاً ..
كتب اليها :
رأيت في عيناكي سبعة سماوات وقافلة أنبياء وقيامة …
ما لبث أن أرسل رسالته الصغيرة الا وبدأت الثلوج تتساقط …
التف جيداُ … وعيناه تسمرتا باتجاه العدو خوفاً من تحركات مريبة …
رسالة جديدة :
تلح تلج عم بتشتي الدني تلج والغيمات سهرانة وتلوج الطرقات بردانة …
ارتسمت الابتسامة على شفتيه …

-أيتها الشقية الى هذا الوقت المتأخر لم تنامي بعد ؟؟

رقية : كيف أنام وعيناك تسهران ؟؟
حسين : اذا كان قلبك معي حقاً قولي لي كلمة تجعلني أشعر بالدفء ؟
رقية : مدفأة ههههههههه
حسين: هههههههه
أرجوكي هيا …
رقية : بشرط واحد 
حسين : موافق …سأغني لكي وأمري لله
رقية :
أحبك … أحبك جدا 
عندما قرأ حسين تلك الكلمة شعر بالكون يرقص من حوله ..شعر بالفرح والسعادة والبهجة …
لم يعد يتمالك نفسه
فأطلق العنان لضحكته …ولدخان سجائره ولكلمات أغنيته التي اخترقت حاجز الصمت المطبق تلك الليلة ..
روحي يا نسمة عند الحبايب 
عند الحبايب ويا الحنين …
قوليلهم كلمة كلمة حبايب ع الشوق دايبين …لكن صابرين … وبالحب هايمين … وحنبقى يا قلبي يا قلبي على طول عاشقين …

رقية تستمع عبر التسجيل الصوتي ودموعها تسابق الزمن …
رفعت يداها للسماء :
يا رب هو الروح …. احميه يا رب …

دقت الساعة معلنة الثانية ليلاً …
شعر بتحركات غير مريحة بجهة العدو …
هيأ بندقيته …
وانتفض كالنسر واقفاً .. 
ولحظتها أمطرت السماء …
ولم تكن أمطارها ندى أو رذاذاً كانت أمطارها رصاصاً وقنابل ودماء ..
بدأ الاشتباك على أصوات تكبيرات المجاهدين في الفوعة وكفريا الله أكبر …

وصلت المۏارة لخندق حسين في لحظات معدودة …
واشتد أزيز الرصاص في كل مكان …
وصلت أصوات الرصاص والقنابل الى بيت رقية شعرت بالبرد ممزوجاً بالخوف الشديد …
توضأت و أتمت صلاة الليل …
وبعثت دعواتها الى السماء مبتهلة أن يحمي الله المجاهدين في الفوعة وكفريا وأن ينصرهم بنصره العزيز …

قرأت آيات من سورة ياسين علها تخفف من وطأة جزعها …
مر الوقت ولم يهدأ أزيز الرصاص ..
أمسكت هاتفها المحمول …
بعثت برسالة :
بحفظ الرحمن يا حسين …
ليحفظك العزيز الجبار يا نور العين …

لم يقرأ حسين رسالة رقية ولكن قلبه شعر باهتزازات هاتفه وأيقن أنها دعوات رقية . .. وهذا يكفيه …
وصله صوت قائده تقدم يا حسين أنت وزملائك لتفخيخ مكان تواجد الارهابيين فالوقت ملائم … وهم في حالة انسحاب …
اندفع حسين وزملائه كالأسود الى الموقع المحدد تحت وابل الرصاص والقنابل …
اشتدت المعركة أكثر وأكثر …
رقية لم تزل تقرأ الآيات لحماية المجاهدين 
بعثت برسالة :
حسين لتحميك الزهراء ….
حسين قلبي معك …
شعر مرة جديدة باهتزاز هاتفه المحمول … فهو يضعه بالقرب من قلبه …
ازدادت قوته ورباطة جأشه أضعافاً مضاعفة …
أتم هو وزملائه عملية التفخيخ بنجاح ….
وأتاهم الأمر تراجع يا حسين أنت وزملائك …
تم التراجع وحصلت عملية التفجير التي قتل فيها الكثير من الارهابيين 
عاد الأبطال سالمين الا من بعض الجروح والخدوش …
عادوا وفرحة النصر تلتمع على جبينهم …
عادوا ….عادوا منتصرين …

استيقظ أهالي القرية جميعهم على صوت الانفجار الكبير …
ورقية لم تزل صاحية …
وقرآنها في يدها ….
بعثت برسالة :
حسين أرجوك أجبني قلبي يحترق …ما هذا الانفجار ؟؟

– حسين ….
….
– حسين أجب ..

هدأت الأصوات …
لاح الفجر من بعيد ..

التقى القائد بأبطاله …هنأهم …شد على سواعدهم …
مسح عرقهم …
لكم التحية يا أبطال 
….
الفوعة وكفريا ستبقيان عصيتين على الارهاب …
….
عودوا الى مواقعكم …
عاد حسين الى خندقه وثيابه مبللة بالماء وأوصاله متجمدة من البرد …فالسماء أغدقت عطاياها للأرض والثلوج غطت المكان …
شعر بجرح عميق في يده وقطرات الدم تتساقط بغزارة …في هذه اللحظات طل الصباح في الفوعة وكفريا يلوح بنصر جديد ….بهمة الأبطال المجاهدين …
بهمة الشباب الأشاوس …

رقية ….تذكرها ….
لااااا هو لم ينساها حتى يتذكرها …
فتح هاتفه المحمول وقرأ رسائلها الكثيرة …
ارتسمت ابتسامة العشق على شفتيه ….
خرج من خندقه … كتب بدم ساعده على أرض الفوعة المكسوة بالثلج …انتصرنا يا رقية ….
التقط لها صورة ….

وبعثها
….
….
ركعت رقية ساجدة باكية 
شاكرة للمولى القدير 
السلامة والنصر …

لمع هاتفها رسالة أخيرة ذاك الصباح الممزوج بالحب والنصر

سآتي اليوم أنا وأهلي لزيارتكم….
….
….
بتوقيع : الفوعة وكفريا 
زينب الحسن

بدون تعليقات

اترك تعليق