القوات التركية في سوريا احتلال أم للمراقبة ؟

خاص رسول _ محمد ديب حاج صالح

عند الحديث عن الدور التركي في سوريا لا بد لنا من الوقوف عند أهمية هذا الدور ، مما لا ريب فيه أن تركيا تُعد الشريان الرئيسي الذي يُمدُ الفصائل الإرهابية بكافة أشكال الدعم اللوجستي لمحاذاته الحدود السورية وخصوصاً مدن حلب وإدلب التي يراهن عليه اردوغان بعد تبدد حلمه بأسقاط النظام السوري وتقسيم دولته لنيل حصة منها.

اجتماع استانة ١٣ (١_٢ آب)  ، وصفهُ رئيس الوفد الرسمي السوري “بشار الجعفري” في مؤتمر صحفي تلى البيان الختامي :  بأنهُ الأفضل لجهة مقاربته للوضع السوري و اقرار الدول الضامنة بسيادة سوريا وضرورة مكافحة الارهاب واستمرار مساره ،وأضاف الدكتور الجعفري أن رعاية النظام التركي للمجموعات المسلحة في سوريا لم تنتهِ بعد ، و النظام التركي هو الذي يسيطر على منطقة ادلب وعلى المجموعات المسلحة الموجودة هناك ،  منوهاً إلى تفاهمات استانة و سوتشي التي تقضي بتأمين تركيا الظروف لإنشاء منطقة منزوعة السلاح بعمق ٢٠ كيلومتر (سحب الأسلحة الثقيلة والخفيفة )  وفق تفاهمات سوتشي ١٧ أيلول ٢٠١٨

ولكن اللافت بالأمر عند تصريح الدكتور الجعفري عن أرقام كبيرة للتواجد العسكري التركي تُذكر لأول مرة (( ينشر النظام التركي داخل الأراضي السورية 10655 عسكريا بين ضابط وصف ضابط وجندي وأدخل إلى الأراضي السورية 166 دبابة و278 عربة مدرعة و18 راجمة صواريخ و173 مدفع هاون و73 سيارة مزودة برشاش ثقيل و41 قاعدة صواريخ مضادة للدبابات))  ، بينما أكد الجعفري أن تفاهمات استانة تقضي بإرسال ٢٨٠ (شرطياً) ل ١٢ نقطة مراقبة،  وبدوره وصف الجعفري السلوك   التركي وحجم هذه القوات والعتاد بالاحتلال .

 وفي تصريح سابق  لنائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد ٢ أيار /مايو  ٢٠١٩ محذراً تركيا : لن نسمح لتركيا بالسيطرة ولو حتى على سنتيمتر واحد من الأراضي السورية، وعلى الجانب التركي أن يعلم أنّنا لن نقبل ببقاء الجماعات المسلحة في ادلب ، والقرار السوري موجود بتحرير كل ذرة تراب من الأراضي السورية وإدلب ليست استثناء وعلى الأتراك وغيرهم أن يعوا أن سوريا مصممة على استعادة كل ذرة تراب من أرضها  ، ويجب أن تفهم تركيا أن دعمها للإرهاب واحتلالها للأراضي السورية لن يجلبا لها الأمان.

 يذكر أن تركيا أرسلت العديد من الأرتال العسكرية عبر معبر “كفرلوسين” إلى إدلب وخاصة نقاط  ريف حماه الشمالي (مورك .اللطامنة.. شير المغار ..النقطة العاشرة مقابل جبل شحشبو (  ،وذلك نتيجة المعارك التي شهدتها المنطقة بعد شن الجيش السوري حملة عسكرية لتحرير ريف حماه نظراً لعدم التزم الطرف التركي بمفرزات سوتشي واستانة والاعتداءات الإرهابية المتكررة على مناطق سيطرة الحكومة السورية  ، والتي كانت شاهدة على التدخل التركي المباشر بدعم الفصائل الإرهابية .

السلوك التركي في سوريا ينحدر تجاه سياسة تتريك ممنهجة تتمثل بعدة أعمال قامت بها القوات التركية والفصائل الموالية لها ،وهي كالتالي)تدريس اللغة التركية ، تغيير اسماء المدارس ،انتشار الأعلام التركية بالمنطقة التي يتواجد بها الجماعات التابعة لتركيا ،استبدال الهويات السورية بهويات تركية ،تجنيد الشباب للقتال ضمن صفوف قوات درع الفرات وغصن الزيتون التابعة لها ، سرقة الآثار ،تسويق محصول الزيتون والزيت عالمياً ونسبهُ بالمصدر لتركيا ،وعلى سبيل المثال تسمية إحدى الحدائق بحديقة الأمة العثمانية وغيرها من الأعمال)    

عند النظر بماهية واسباب التدخلات التركية لابد لنا بالعودة إلى تناول اردوغان الحديث عدة مرات عن حلب وإدلب ، وجُسد ذلك عند زيارة اردوغان لمدينة عفرين صيف ٢٠١٨، والتقاءه عوائل الإرهابيين الخارجين من الغوطة الشرقية وفق اتفاق تسوية (ربيع ٢٠١٨) ،ويضاف إليه كلمة لوزير الداخلية التركي سليمان صويلو (يناير ٢٠١٩) ،و حديثه أن ولاية حلب عثمانية .

عند النظر بخلفية هذه الادعاءات التركية علينا العودة إلى  اتفاق أنقرة ١٩٢٦ بين تركيا و فرنسا وبريطانيا برعاية عصبة الأمم (الأمم المتحدة حالياً) ، الذي يقضي بتعويض تركيا أراضي من سوريا والعراق بعد مئة عام بحال تفككت الدولتان السورية والعراقية ، لذلك يعتبر هذا الأمر من أبرز الأطماع التركية في سوريا  ليضاف إليه  وعودٌ أمريكية لإقامة منطقة آمنة على امتداد الحدود السورية الشمالية بإشراف نقاط مراقبة تركية ، وفق ما عبر عنهُ المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري في مقابلة أجرها مع صحيفة الشرق الأوسط السعودية ١١ أيار ٢٠١٩ .

الحكومة السورية وافقت على مفرزات استانة ١٣ الذي يفضي إلى انشاء منطقة منزوعة السلاح حالياً ، بالرغم من استيائها من السلوك التركي بالشمال ، مطالبين الطرف التركي بالالتزام وعلى الطرفين الروسي والإيراني ضمان مدى التزام تركيا بعهودها  .

عند التساؤل ما الذي  دفع الحكومة السورية للموافقة على وقف إطلاق نار وتنفيذ اتفاق سوتشي ، بغض النظر ان الحكومة السورية اخُتبرت بمدى التزامها بالاتفاقات ،  ربما يكون هناك سبب آخر دفعها لذلك ، هو أن جبهة أخرى تتطلب تدخل قوة كبيرة للجيش السوري (مثلاً درعا التي تشهد حوادث أمنية عدة ،اغتيال خطف تفجيرات ) هذا ما عبر عنه النائب بالبرلمان السوري عن محافظة درعا “خالد العبود ”  عبر شاشة الميادين ١٩/٧/٢٠١٩،مطالباً الجيش السوري والطرف الروسي الضامن للجماعات المسلحة بالتدخل وحسم الأمر وبسط سيطرة الدولة السورية .

يذكر أن مسلحي درعا وريفها خضعوا لاتفاق تسوية صيف ٢٠١٨ بتسليم أسلحتهم الثقيلة والمتوسطة وترك الخفيفة منها،  والضامن هي الشرطة العسكرية الروسية .
الأيام القليلة  القادمة كفيلة بمدى صدقية الطرف التركي تجاه تعهداته بتنفيذ مخرجات اتفاق استانة ١٣ المكمل بأحد أعماله لاتفاق سوتشي أيلول ٢٠١٨ (المنطقة منزوعة السلاح) ، و اكمال تشكيل اللجنة الدستورية ،  للمُضي في تسوية شاملة للأزمة السورية .

المسؤولون السوريون يصفون التركي بالاحتلال ، تركيا ألمحت إلى أطماعها في سوريا .

استانة مازالت صلة الوصل بينهما برعاية روسيا وإيران .

بدون تعليقات

اترك تعليق